ابن ميثم البحراني

51

شرح نهج البلاغة

الرابع والعشرون : رسّم العقل بأنّه حفظ التجارب . والإشارة إلى العقل العمليّ وهو القوّة الَّتي للنفس بحسب حاجتها إلى تدبير بدنها الموضوع لتصرّفاتها وتكميله ، وهي الَّتي بها تستنبط الآراء المصلحيّة ممّا يجب أن يفعل من الأمور . إذ كان الشروع في العمل الاختياري المختصّ بالإنسان إنّما يتأتّى بإدراك ما ينبغي أن يعمل في كلّ باب وهو إدراك رأى كلَّىّ أو جزئيّ يستنبط من مقدّمات بعضها جزئيّة محسوسة وبعضها كلَّيّة أوّليّة أو تجربيّة أو ذايعة أو ظنّية يحكم بها العقل النظريّ من غير أن يختصّ بجزئيّ دون غيره ، والعقل العمليّ يستعين بالنظريّ في ذلك ثمّ ينتقل منه باستعمال مقدّمات جزئيّة إلى أن ينتقل إلى الرأي الجزئيّ الحاصل فيعمل بحسبه ويحصل بعمله مقاصده في معاشه ومعاده . وإرادته لهذا العقل أظهر لأنّه المتعارف ولأنّه في معرض الأمر بتحصيل مكارم الأخلاق الَّتي هي كمال هذه القوّة . وحفظ التجارب إشارة إلى ضبط هذه العلوم المنتزعة عن مشاهدات متكرّرة منّا لأمور جزئيّة تتكرّر فيفيد حكما كلَّيّا ككون السقمونيا مثلا من شأنها الإسهال . وعرّف العقل بذلك لكونه من خواصّه وكمالاته . الخامس والعشرون : نبّهه على أنّه ينبغي أن يقتصر من التجارب على ما وعظه : أي من شأنه أن يفيد موعظة واعتبارا كالنظر في حال من تكرّر ظلمه فأسرعت عقوبة اللَّه إليه ، أو تكرّر كذبه فأدركه المقت بضمير صغراه ما ذكر ، وتقديرها : ما وعظك فهو خير التجارب ، وتقدير الكبرى : وخير التجارب أولى بك . ينتج فما وعظك من التجارب أولى بك ، ونحوه قول أفلاطون : إذا لم تعظك التجربة لم تجرّب بل أنت ساذج كما كنت . السادس والعشرون : أمره بانتهاز الفرصة فيما ينبغي أن يفعل ، ونفّره عن تركها بما يستلزمه من الأسف المغصّ ، وأطلق اسم الغصّة على الفرصة مجازا تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه . السابع والعشرون : نبّه على ما ينبغي من ترك الأسف على ما يفوت من المطالب بضمير صغراه ما في قوّة هذا السلب من الايجاب ، وتقديره : بعض الطالبين